الجصاص

364

الفصول في الأصول

موافقته إياهم ، فلا يعتد بخلافه ، لأن الإجماع قد انعقد ، وثبتت حجته فلا ينقضه خلاف من خالفهم بعد موافقته لهم . فأما إذا لم يحصل إجماع من جميعهم ، فلم يثبت هناك حجة من جهة الإجماع ، فلذلك جاز لواحد منهم مخالفته . قال : ووجه آخر : وهو أن الصحابي لم يكن يدعو الناس إلى تقليده واتباع قوله : ( ألا ترى : أن عمر بن الخطاب سئل عن مسألة فأجاب فيها ، فقال له رجل : أصبت الحق ، أو كلاما نحوه ، فقال عمر : والله ما يدري عمر أصاب أو أخطأ ، ولكن لم آل عن الحق ) ( 1 ) وقال زيد بن ثابت ، في قضية قضى بها ( في الجد ) : ( 2 ) ليس رأيي حق على المسلمين ، في نحو ذلك من الروايات عنهم ، في نفي لزوم تقليدهم ، فإذا لم ير هؤلاء وجوب تقليدهم على الناس فكيف يجوز لنا أن نقلدهم ! ! قال أبو بكر : وهذا يحتمل : أن يكون الصحابة إنما منعت وجوب تقليدهم لأهل عصرهم من العلماء ، أو أن تكون مسألة خلاف بينهم فأخبروا : أنهم لا يلزم أحد أن يقلد بعضهم دون بعض فيها ، وأنه يجب على من بعدهم النظر والاجتهاد في طلب الحكم دون التقليد . وكان أبو الحسن يرى قبول قول الصحابي ، ( لازما ) ( 3 ) في المقادير التي لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس والاجتهاد . ويعزى ذلك إلى أصحابنا ، ويذكر مسائل قالوا فيها بتقليد الصحابي ولزوم قبول قوله ، نحو ما روي عن علي عليه السلام : لا مهر أقل من عشرة دراهم ( 4 ) ، وما روى عنه ( إذا قعد الرجل في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته ) ( 5 ) ونحو ما روي عن أنس في أقل الحيض : أنه ثلاثة ، وأن أكثره عشرة ، ( 6 ) ( وما روى عن عثمان بن أبي العاص وغيره ( في أن أكثر النفاس أربعون يوما ، ( 7 ) وما روى عن عائشة